Description
تعالج هذه الدراسة إشكالية سقوط الدولة في ليبيا واليمن بعد عام 2011 من منظور بنيوي مقارن، ينطلق من فرضية مركزية مفادها أن الانهيار لم يكن نتيجة مباشرة لثورات الربيع العربي أو للتدخلات الخارجية فحسب، بل هو نتاج تراكم تاريخي طويل لهشاشة بنيوية في مسارات بناء الدولة، وعقود اجتماعية ناقصة الشرعية، وبنى سلطوية مشوّهة لم تُنجز مشروع الدولة الحديثة.
تُعيد الدراسة مساءلة مفهوم الدولة الهشة والفاشلة في الأدبيات السياسية المعاصرة، منتقدةً المقاربات المعيارية والمؤشرات الدولية التي تنطلق من نموذج غربي للدولة وتُسقطه على سياقات تاريخية واجتماعية مختلفة جذريًا. وتؤكد أن الهشاشة في السياق العربي لا تُفهم بوصفها ضعفًا إداريًا أو تقنيًا، بل بوصفها أزمة شرعية ومؤسسية عميقة تتعلق بطبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع، وبين السلطة والمؤسسة، وبين المركز والأطراف.
تُبرز الدراسة أن ليبيا واليمن قبل 2011 كانتا تمثلان نموذجًا لما تسميه «الدولة ما قبل الفاشلة»، أي دولة تحتفظ بمظاهر السيادة الشكلية، لكنها تعاني من تفريغ مؤسساتي، وشخصنة للسلطة، وتآكل احتكار العنف، وفشل في بناء هوية وطنية جامعة. ففي ليبيا، أدى نظام «الجماهيرية» إلى تفكيك ممنهج لمؤسسات الدولة لصالح شبكات ولاء شخصية ولجان ثورية، بينما في اليمن تداخلت القبيلة والعسكر والزبائنية في بنية الحكم، بما حال دون تشكل دولة مؤسسات قادرة على الصمود.
وتحلل الدراسة مسارات التحول من الهشاشة إلى الفشل بعد 2011، مركزة على التصدع السياسي، وفراغ الشرعية، وانقسام المؤسسات السيادية، وصعود اقتصاديات الحرب، وتفكك النسيج الاجتماعي، وبروز الفاعلين من غير الدول بوصفهم بدائل وظيفية للدولة في تقديم الأمن والخدمات. كما تُبرز الدور الحاسم للتدخلات الإقليمية والدولية في تعميق الفشل وتحويل البلدين إلى ساحتي صراع بالوكالة، دون الوقوع في اختزال تفسيري يُحمّل الخارج وحده مسؤولية الانهيار.
وتختتم الدراسة بمقارنة تحليلية شاملة بين التجربتين الليبية واليمنية، تستخلص من خلالها الدروس النظرية والعملية حول تعثر الانتقال الديمقراطي، وحدود مشاريع إعادة بناء الدولة في البيئات المنقسمة، وتقترح أفقًا نظريًا لاستعادة الدولة يقوم على إعادة بناء الشرعية، وإصلاح العقد الاجتماعي، وإعادة الإعمار المؤسسي، ومعالجة جذور الهشاشة لا مظاهرها فقط.


Reviews
There are no reviews yet.