الوصف
يُعدّ كتاب «رسول الجبل والسهل: جكرخوين وقصيدته – شهادات من أسرته ومقربيه» عملاً توثيقيًا وأدبيًا يسعى إلى إعادة تقديم الشاعر الكردي الكبير جكرخوين من زاوية إنسانية حية، بعيدًا عن الصيغ الأكاديمية الجافة. يعتمد المؤلف على منهج الشهادة، من خلال حوارات موسّعة مع أفراد أسرته ومقربيه، ليكشف عن تفاصيل دقيقة من حياته اليومية، وسيرته النضالية، ومسيرته الثقافية، في محاولة للاقتراب من جوهر شخصيته كما عاشها من عرفوه عن قرب، لا كما تُختزل في نصوصه الشعرية فقط.
ينطلق الكتاب من فكرة مركزية مفادها أن جكرخوين لم يكن مجرد شاعر، بل كان ظاهرة ثقافية ونضالية متكاملة، جسّد في حياته معاناة الشعب الكردي، وحوّل الشعر إلى أداة للوعي القومي والتحرر. فقد عاش حياة مليئة بالتنقل والمحن، من بيئة ريفية فقيرة إلى المنافي المتعددة، وواجه القمع والاضطهاد، لكنه استطاع رغم ذلك أن يؤسس حضورًا بارزًا في المشهدين الثقافي والسياسي، وأن يسهم في ترسيخ اللغة الكردية ونشرها في زمن كانت فيه مهمّشة ومحاصرة.
كما يبرز الكتاب الأبعاد الإنسانية العميقة في شخصية جكرخوين، من خلال ما تنقله الشهادات عن بساطته، وتواضعه، وعلاقاته الاجتماعية، وحرصه على خدمة قضيته وشعبه في مختلف الظروف. ويظهر جكرخوين هنا بوصفه أبًا، وصديقًا، ومناضلًا، وشاعرًا، تتداخل في شخصيته الصلابة والرقة، والحلم والألم، مما يمنح صورته عمقًا يتجاوز التمثلات النمطية التي تحصره في كونه شاعرًا فقط.
ويتناول العمل أيضًا تجربة المنفى بوصفها أحد المحاور المركزية في حياة جكرخوين، حيث تحوّلت الغربة إلى مصدر مزدوج للألم والإبداع، فكانت قصائده تعبيرًا صادقًا عن الحنين إلى الوطن، وعن معاناة شعبه، وعن الأمل في الحرية. وفي هذا السياق، يبرز الكتاب كيف استطاع جكرخوين أن يجعل من الكلمة جسراً يربط أبناء شعبه المشتتين، وأن يحافظ على حضور الهوية الكردية في الوعي الجمعي رغم محاولات التهميش.
وفي جانب آخر، يسلط الكتاب الضوء على مكانة جكرخوين بعد رحيله، حيث تحوّل إلى رمز ثقافي حي في الذاكرة الكردية، وأصبح بيته ومثواه في قامشلي فضاءً للذاكرة الجماعية ومزارًا ثقافيًا يعكس عمق تأثيره. كما يثير العمل إشكالية غياب التوثيق الكافي لإرثه، رغم ما قدّمه من إسهامات كبيرة، معتبرًا أن هذا الكتاب يشكل محاولة جزئية لسد هذا الفراغ وإعادة الاعتبار لهذه الشخصية الاستثنائية.
في المحصلة، يقدم الكتاب صورة مركبة لجكرخوين بوصفه شاعرًا ومفكرًا ومناضلًا، ويكشف عن عالمه الداخلي والإنساني من خلال شهادات متعددة، ليؤكد أن فهمه الحقيقي لا يكتمل عبر نصوصه وحدها، بل من خلال استحضار تجربته الحياتية بكل ما تحمله من معاناة وإبداع وتأثير عميق في الوعي الثقافي والقومي.





المراجعات
لا توجد مراجعات بعد.