الوصف
يتناول هذا الكتاب سيرة الفنان الكردي الشهيد يوسف جلبي، بوصفه واحدًا من الأصوات المؤسسة في الذاكرة الغنائية الكردية في قامشلي والجزيرة السورية. لا يقدّم الكتاب يوسف جلبي كمغنٍّ شعبي فحسب، بل بوصفه فنانًا حمل الأغنية إلى مستوى الموقف، وجعل من اللحن وسيلة للدفاع عن الهوية والحرية والكرامة الإنسانية.
ينطلق الكتاب من شهادات عائلية وذاكرات شخصية، وفي مقدمتها شهادة نجله جلبي جلبي، الذي ظلّ يحمل جرح مقتل والده تحت التعذيب، ويحاول بعد عقود أن يعيد إليه حقه في الذاكرة والإنصاف. ومن خلال هذه الشهادة، تتكشف صورة فنان وُلد في بيئة كردية ريفية عميقة، في قرية جبلكراو، حيث تشكلت أذنه الأولى بين القرآن، والطبيعة، والطنبور، وصوت الأب، ثم حمل هذه الخبرة الجمالية إلى قامشلي، حيث صار صوته جزءًا من وجدان المدينة المتعدد: الكردي، والسرياني، والعربي، واليهودي.
يبرز الكتاب أن يوسف جلبي لم يكن فنانًا محايدًا أو مغنيًا للترفيه، بل كان صاحب موقف واضح من الظلم والاستبداد، وغنّى لنوروز، وللفلاحين، والمقهورين، وللحب والحرية. وقد دفع ثمن هذا الموقف حياته، حين اعتُقل بعد مشاركته في احتفال نوروز، ثم قُتل تحت التعذيب في زمن المكتب الثاني. ومن هنا جاء عنوان الكتاب: «المغني الكردي الذي قُتل مرتين»؛ مرة حين أُسكت جسده بالعنف، ومرة حين غُيّبت سيرته، ونُسب كثير من تراثه إلى غيره، ولم تُنصفه المؤسسات الثقافية والسياسية والفنية كما ينبغي.
كما يناقش الكتاب ظاهرة ضياع حقوق الفنان الكردي في مرحلة ما قبل التدوين والتوثيق، حيث كانت الأغاني تنتقل شفهيًا وتُؤدى بأصوات متعددة دون حفظ واضح لحقوق أصحابها. وفي هذا السياق، تبدو تجربة يوسف جلبي مثالًا مؤلمًا لفنان بقي أثره حيًا في الذاكرة الشعبية، بينما ظل اسمه غائبًا عن السجلات الرسمية والاحتفاء العام.
ويمتد الكتاب إلى حوارات وشهادات ومقالات توثيقية، تكشف تفاصيل من حياته العائلية، وعلاقاته الاجتماعية الواسعة، وصلاته بشخصيات من مختلف مكونات قامشلي، وتستعيد الليلة الأخيرة من حياته، ومحاولات أبنائه وأحفاده والباحثين إنقاذ تراثه من النسيان. لذلك فالكتاب ليس مجرد سيرة فنية، بل وثيقة ذاكرة ومرافعة أخلاقية من أجل إنصاف فنان شهيد، جعل من الأغنية الكردية شكلًا من أشكال المقاومة، ومن صوته شاهدًا على مرحلة كاملة من القمع والصمت والوفاء المؤجل.





المراجعات
لا توجد مراجعات بعد.